فخر الدين الرازي
84
شرح عيون الحكمة
وهنا أبحاث : البحث الأول : أن الشئ إذا حصل في مكانه ، فان حصوله في مكانه نسبة بينه وبين ذلك المكان . وهذه النسبة لا بد من الاعتراف بها ، ثم اختلفوا بعد ذلك فقال قوم : انه حصل في ذلك الجسم معنى حقيقي يوجب تلك الحالة الإضافية ، ومنهم من أنكر وجود هذا الشئ . إذا عرفت هذا فالأين انما يمكن جعله من القسم الثالث إذا قلنا بالقول الأول ، أما إذا قلنا بالقول الثاني ، فإنه لا يكون الأين من باب النسبة المجردة . البحث الثاني : ان مراد « الشيخ » من قوله بعض الموجودات في موضوع : أي بعض الأعراض . فالمراد من قوله للموضوع في نفسه : أي هذا العرض يكون حاصلا للموضوع في نفسه ولا تعلق له بشيء سوى ذلك الموضوع . وهذا هو الصفة الحقيقية فإنها تكون حاصلة في الموضوع ، ولا تعلق لها بشيء آخر . أما الصفة الإضافية فإنها تكون حاصلة في الموضوع ، ويكون لها تعلق بشيء آخر خارج عن الموضوع . فان الإضافات لا يمكن تحقيقها الا من المضافين . وأما قوله : وبعضها للموضوع بمعنى وجود غيره فقط ، فالمراد منه : ما سميناه بالإضافات الحاصلة والنسب للصرفة ، فإنها لا حقيقة لها سوى كون كل واحد من القسمين المخصوصين بأن الآخر في مقابلته . وأما قوله : وبعضها للموضوع في نفسه بالنسبة إلى غيره ، لا لأنه نفس وجود غيره بإزائه . فهذا هو الذي سميناه بالصفة الحقيقية أتى تتبعها صفة إضافية . أما أنها للموضوع في نفسه فهو إشارة إلى ما هناك من الصفة الحقيقية ، وأما كونها بالنسبة إلى غيره فهو إشارة إلى الصفة التابعة لحصول تلك الصفة الحقيقية . البحث الثالث : لا شك أن أقوى ما في الوجود هو الصفة الحقيقية . وأضعفها في الوجود الإضافية المحضة . والثالث هو الصفة الحقيقية التي يتبعها صفة إضافية ، وهو متوسط بين القوة والضعف . والأمر فيه ظاهر .